الأربعاء، 7 يونيو 2017

جناح الفراشة


(1)

ثلاثة أشهر دون كتابة. ما أصعب هذا!

وذلك بالرغم من أنه لم يكن يكتسب من الكتابة، وطوال الخمس سنوات التي اتخذ فيها من الكتابة مهنة، لم يجني من ورائها قرشاً واحداً.

منذ البداية، كان قراره ألا يعتمد على الكتابة كمصدر للرزق، ولم يتحول إلى الكتابة إلا بعدما أصبح لديه مشروعاً يدر عليه دخلاً ثابتاً يكفيه لعيش حياة كريمة.

كانت الأسباب التي بنى رأيه عليها، تبدو له منطقية تماماً وإن كانت لا تخلو من نرجسية وغرور.

كان يرى أن الكاتب الذي يريد الاعتماد على الكتابة كمصدر للرزق، عليه أن يقدم الكثير من التنازلات من أجل أن ينال استحسان أكثر عدد ممكن من القراء، وستتحول كتابته مع مرور الوقت إلى كتابة تجارية خالية من الدسم، هذا إنْ كان لديه دسم من الأساس.

لذا فقد كان يعتبر نفسه كاتباً جيداً، ويرى أنه ربما يصبح واحداً من أعظم الكتاب في المستقبل، وهذا غرور لا شك فيه.

من المحرج دائماً لكاتب أن يتحدث عن كاتب آخر، ولكن بما أن هذا الكاتب هو بطل قصتي فلابد من توضيح كل ما يتعلق به.

من وجهة نظري أرى أنه كاتب لا بأس به، يمتلك موهبة واضحة، وله بعض الأفكار الأصيلة، ولكن هذا هو كل شيء.

وهذا لن يكفيه بالتأكيد ليصبح كاتباً عظيماً كما يتوقع.

فلنترك هذا الأمر للزمن. ربما يتطور ويجد ضالته ويصل إلى ما يصبو إليه، وربما يظل كما هو. هذا ما سوف يجيب عنه الزمن وحده.

نعود إلى بطلنا وقد جلس أمام شاشة حاسوبه يتطلع إلى الصفحة البيضاء المثيرة للحماس إنْ كان لديك ما تكتبه، والمثيرة للاكتئاب إذا كنت عاجزاً عن كتابة حرف واحد.

كل يوم، يجلس أمام شاشة الحاسوب يتطلع بشرود إلى الشاشة البيضاء، واضعاً يديه على لوحة المفاتيح، أملاً في بعثرة الكثير من الحروف مكوناً كلمات تعبر عن بعض الأفكار.

كل يوم ولمدة تسعين يوم، ولم يكتب حرفاً واحداً.

يعطي لهذا الأمر ساعة كاملة، وبعد أن يفشل يقوم بفتح الفيس بوك، ويظل يتفقد المنشورات بتركيز غير حقيقي، حتى تدمع عيناه من الألم، فيغلق الحاسوب ويقوم.

أكثر من مرة حاول التشاغل بفعل أي شيء حتى ينجو بنفسه من جلسة التعذيب اليومية التي لا يجني شيئاً من ورائها، ولكنه في النهاية يجد نفسه مشدوداً بقوة غير مرئية ليجلس نفس الجلسة ويحصل على نفس النتيجة.
لا شيء.

في تلك الليلة قرر بإصرار ألا يحاول، وحتى لا يتراجع ارتدى ملابسه وخرج عازماً ألا يعود إلا لينام.

أخذ يتجول في الشوارع الخالية نظراً لتأخر الوقت، ثم جلس على المقهى الأثير لديه، الذي لا يغلق أبوابه أبداً.

مع الرشفة الثالثة من فنجان القهوة جاءته الفكرة، فأنهى قهوته سريعاً، وهرول إلى مسكنه قبل أن تفر منه.

كان الطريق من القهوة إلى منزله لا يزيد عن خمس عشرة دقيقة، ويمكنه اختصار خمس دقائق إذا أراد، وذلك باجتياز ممر ضيق لا يزيد عرضه عن المتر ويمتد لمسافة تقترب من الثلاثين متراً.

كان نادراً ما يجتاز هذا الممر، بالرغم مما يوفره له من وقت ومسافة، ولكنه كان يشعر بالاختناق والدوار كلما مر به ولذلك كان يفضل عليه السير حتى آخر الشارع ويدخل الشارع الذي يقطنه من بدايته.

وقف أمام الممر متردداً لثانية أو اثنتين ثم قرر السير فيه.

أخذ يسير بأقصى سرعة ممكنة باعداً ذراعيه بحيث تلامس كل ذراع إحدى المبنيين وكأنه يخشى أن ينطبقا عليه، ولكنه في الحقيقة كان يفعل هذا ليتوازن، وذلك لأنه إذا لم يفعل ذلك يجد نفسه يتخبط بين المبنيين مثل السكران.

في المرات القليلة التي عبر فيها هذا الممر كان يشخص ببصره نحو نهايته وكأنه غريق ينظر إلى طوق نجاته.

وما أن اجتازه حتى اندفع بجسده اندفاعة أخيرة جعلته في منتصف الشارع.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - 
(2)

كان يومه الأول كفتى توصيل.

أخيراً تمكن من شراء دراجة نارية بعد معاناة، والتنقل من عمل لآخر.

استلم الدراجة من المعرض في وقتٍ متأخر، وإنْ لم يمنعه ذلك من الذهاب إلى المقهى ليحتفل مع أصدقاءه، وبعد عدة ساعات قرر العودة إلى مسكنه.

لم يكن متمكناً من القيادة نظراً لأنه بالكاد تعلم القيادة، ولكنه لم يشغل باله بالأمر، فالممارسة ستعلمه جيداً بكل تأكيد.

في طريق عودته، وبالرغم من تأخر الوقت عرج إلى الصيدلية القريبة من مسكنه، والتي كانت بحاجة إلى فتى توصيل، ليتفق معهم على العمل من اليوم التالي.

رحب به المسئول عن الصيدلية، وقد كان دائماً ما يرحب بفتى توصيل جديد، فهم لا يكلفونه قرشاً، ويعتمدون اعتماداً كاملاً على ما يتركه لهم العملاء من بقشيش.

قبل أن ينصرف طلب منه أن يقوم بأول مهمة له، فهناك عميل يحتاج إلى دواء وفتى التوصيل الآخر في مهمة أخرى وسيتأخر.

رحب الفتى بالمهمة، خاصة أن العنوان كان قريباً جداً من مسكنه وبالتالي لن يكلفه شيئاً.

أخذ الدواء وبدأ رحلته.

كما قلت في السابق لم يكن متمكناً من القيادة ولذا فقد كان يواجه مشكلة توازن يتحايل عليها بالتسارع قدر استطاعته.

أطلق العنان لسرعة الدراجة خاصة أن الوقت متأخر والشوارع خالية تماماً من المارة.

وفجأة برز هذا الرجل أمامه وكأن الأرض انشقت عنه.

وكان الاصطدام حتمياً.  


السبت، 6 مايو 2017

الشجرة



بعد ثلاث ساعات من القيادة شعر بأن عضلاته قد تيبست تمامًا ولم يعد بمقدوره الاستمرار، فنظر حوله باحثًا عن مأوى مناسب ولكن الصحراء كانت ممتدة على الجانبين إلى ما لا نهاية.

كانت الشمس في طريقها إلى المغيب فنظر نحو الغسق بافتتان طفولي، سماء برتقالية وقرص الشمس الأصفر يكاد يلامس رمال الصحراء.

ظل يتابع الغروب إلى أن فاجأته شجرة غريبة الشكل، فضغط على مكابح سيارته بقوة نتج عنها صوت صرير قوي شق هدوء المكان.

بعد أن توقفت السيارة تقهقر ليقف بمحازاة الشجرة، وبدا له المنظر ساحرًا، وقرص الشمس يختفي جزئيًا خلف الفروع العارية للشجرة.

انتهز الفرصة وترجل من السيارة، وأخذ يتمايل ويحرك عضلاته محاولًا الاسترخاء، ثم اقترب من الشجرة وأخذ يراقبها بإعجاب.

شجرة غريبة المظهر؛ لها جذع ضخم سرعان ما يتحول إلى جذعين يتباعدان كل في اتجاه، ومن كل جذع تخرج مجموعة من الفروع الجافة، التي بدورها يخرج منها فروع أصغر.

فروع جافة تمامًا، وعارية من أية أوراق، وهذا طبيعي لشجرة تقع وسط الصحراء في مكان لم يتعرف أبدًا على الماء.

الغريب هو كيف نمت تلك الشجرة من الأساس، وهل هي حية أم ميتة!

لمس بيده خشونة جذعها، ثم ما لبث أن أنصرف إلى مشهد الغروب البديع الذي أوشك على الانتهاء، واستند بظهره إلى الشجرة، حتى اختفت الشمس كليًا.

حاول أن يمط جسده مرة أخيرة استعدادًا لمواصلة القيادة، ولكن لم يستطع.

لقد التصق بالشجرة!

في البداية ظن أن الشجرة تفرز صمغًا ما فالتصق بملابسه، فالتفت لينظر خلف كتفه ولدهشته وجد أن جزءًا من مؤخرته قد اختفى داخل الشجرة.

شعر بالفزع وأخذ يحاول التخلص من الشجرة، ولكن محاولاته لم تؤتِّ بأي نتيجة، بل على العكس أخذت الشجرة تمتصه بسرعة أكبر كلما حاول التملص.

وفي النهاية أطلق صرخة فزعة، قبل أن يختفي وتزداد الفروع فرعًا جديدًا. 

السبت، 8 أبريل 2017

ذكريات بلا ذاكرة!



أمشي ببطء في إحدى شوارع باريس.
أعرف أنها باريس ولكن كيف عرفت ذلك!
أظنني لم أزر باريس قبلاً، نعم أنا متأكد من ذلك.
أرفع رأسي وأُلقي نظرة محيطية حولي.. الشارع متوسط العرض، محاط ببنايات ملتصقة موحدة الشكل، حتى أنها تبدو كبناية واحدة ممتدة بطول الشارع، ترتفع لخمسة طوابق.
وأشجار بارتفاع البنايات متناثرة على جانبي الطريق على مسافات متساوية.
رفعت رأسي نحو السماء.. الجو صحو مع وجود القليل من الغيوم متناثرة في صفحة السماء جاعلة المشهد أكثر جمالاً.
عدت إلى نفسي، وبدأت أتفقدني؛
من نظرتي نحو نفسي ومن يمر بجواري، أرى أنني متوسط الطول، أميل إلى النحافة، أرتدي سروالاً رمادياً وحذاءً رياضياً مريحاً له نفس لون السروال ولكن أفتح كثيراً، وقميصاً أبيض اللون، فضفاضاً، مشمر الكمّين إلى منتصف الساعدين.
نظرت إلى ما ظهر من ساعدي وكفي فشعرت أنهما أفتح مما أتذكر.
أتذكر!
ما أتذكر؟ من أنا؟ من أين جئت؟ لا أعرف.
هل فقدت ذاكرتي.
شعور غريب ينتابني، ليس هلعاً، ربما فضول لمعرفة من أنا.
كيف لا أتذكر أي شيء عني ولكني أشعر أنني مثقل بالذكريات، أشعر أنني أعرف أشياء كثيرة، أعي أشياء كثيرة، حتى أنني أشعر أن معرفة كنهي لن يضيف إليّ كثيراً.
أتوقف لأفتش جيوبي عليّ أجد ما يساعدني ولكن لم أجد سوى القليل من النقود ولا شيء أخر، لا أوراق هوية، لا هاتف نقّال.
أوراق هوية! هاتف نقّال!
كيف أعرف هذه الأشياء ولا أعرف من أنا.
هل من يفقد ذاكرته يستطيع تذكر كل ما عرفه وما خبره في الحياة بينما يعجز عن معرفته نفسه.
هذا غريب.
ولكني لست مهتماً.. أشعر بالغرابة كوني لست مهتماً، ولكني لا أبالي.
لست قلقاً، ولا مشاعر سلبية على الإطلاق تخطر لي، بل على العكس، أشعر بشيء من السعادة، أشعر بالخفة والصحة.
أنطلق مستغلاً خفتي، أكاد لا ألمس الأرض من فرط خفتي.
أصل إلى نهاية الشارع فألمح لافتة باسمه "جادة كليبر"، على يميني "كافيه كليبر" وقد امتلأ بالرواد الذين افترشوا الرصيف ليستمتعوا بالجو الصحو والهواء العليل.
دون تفكير أبحث بعيني عن مكان شاغر، وعندما أجده أجلس، ويأتيني النادل سريعاً متسائلاً عن طلبي.
بفرنسية فاجأتني طلبت قهوة فرنسية بدون سكر. لحظات وجاء بقهوتي فشكرته.
لا أظن أنني كنت أتقن الفرنسية، ولكن بدا لي الآن أنني أستطيع تحدثها بطلاقة. هذا غريب.
لا أمتلك ذاكرة لأعرف من أكون ولكن لدي ذكريات تنبهني كل لحظة بأن ما أفعله ليس من خصالي.
حتى مع كل هذه المشاعر الغريبة، لا أشعر بأي غرابة بل أشعر بالراحة والاستمتاع.
أنتهي من القهوة فأدفع الحساب بما معي من نقود وأعاود السير.
أعبر الميدان فأرى برج إيفيل مباشرة أمامي لا يفصلني عنه سوى نهر السين.
أعبر النهر بتؤدة مستمتعاً بالمشهد، وأقف على مسافة من البرج لأتمكن من رؤيته كاملاً دون أن أرفع رأسي عالياً، مستظلاً ببعض الأشجار بالرغم من أن أشعة الشمس لا تضايقني على الإطلاق خاصة أنها كانت في طريقها إلى المغيب.
المغيب!
هنا شعرت بشيء من الخوف يتخلل عظامي.
بخوف أستمتع برؤية البرج الحديدي، وأراقب قرص الشمس خلفي وهو يختفي رويداً رويداً.
مشاعري بذاتي تزداد تشتتاً.
ذكرياتي تضمحل.

وتغرب الشمس.. ويختفي كل شيء. 

الثلاثاء، 21 مارس 2017

القادم



وحيداً
في الظلام أطفو..
في الظلام أتخبط..
ويمر الوقت..
الظلام مستمر، والمكان يزداد ضيقاً.
أنا آمن هنا.
حقاً أشعر بالاختناق في بعض الأحيان، ولكني آمن هنا، وهذا يكفيني.
أنت حي.. أنا حي.. وما الحياة!
تبدو شيئاً جيداً، وإنْ كنت لا أعرف ما تعنيه هذه الحياة.
يتناهى إلى سمعي أصوات مختلطة، بعضها أصبح مألوفاً من التكرار.
أستأنس بالأصوات المألوفة، وأخاف من الأصوات الغريبة.
أخاف.. وما الخوف!
يبدو شيئاً سيئاً، ولا أعرف ماهيته كذلك.
ويمر الوقت..
الطرقات تدق في رأسي، والمكان يزداد ضيقاً.
تزداد وتيرة الطرقات.
لم أعد أحتمل أكثر، يجب عليَ الخروج.
الخروج! إلى أين؟
إلى مكان آخر لا أعرفه. يبدو هذا مخيفاً.
الخوف، أصبحت تلك الكلمة مألوفة أكثر وتثير معاني ومشاعر أجهلها ولا أحبها.
المكان يزداد ضيقاً، والطرقات تزداد وتيرتها.
أرى نقطة ضوء.
ضوء.. وما الضوء!
هل هذا هو سبيلي للخروج؟
يعوزني الوقت لأفكر.. لأقرر.
ولكن الضغط يزداد، وأندفع رغماً عني نحو نقطة الضوء.. أقاوم بلا فائدة.
اختنق.. الألم يعتصرني.
واتسع المكان.. وضوء مبهر أغشى بصري.
أجاهد لأخذ نفسي.. سأموت قبل أن أحيا.
قبل أن أفكر في هذه الكلمة الجديدة، الموت!
ضربة على ظهري، أعادتني إلى الحياة.
فشهقت، وأندفع الهواء يمزق رئتي.
أصوات مختلطة تطرق سمعي.
ضوء مبهر.
صرخت، فأفزعتني الصرخة.

فبكيت.

السبت، 4 مارس 2017

رواية بين عالمين



ننشر لكم رابط تحميل رواية بين عالمين
 تأليف أحمد إبراهيم مصلح ونشر دار ليلى

 :نبذة عن الرواية 

سار في الشوراع التي جمعتهما سوياً يلتمس ذكراها..
هنا تمشيا متشابكي الأيدي..
هنا جلسا يتبادلان الحديث ويضحكان..
هنا اختلسا قبلة كجائع يختلس لقمة..
كان حضورها ضاغياً في هذه الاماكن، وكم كان يشتهي حضورها.
ها هيَ أصبحت ذكرى ولكنها ذكرى جميلة يرفض أن يفقدها.
كان يقتنص ذكراها في كل شيء ويحبسها داخل مكان خاص داخل ثنايا عقله، لم يكن يريد أن يفقد أي ذكرى من هذا الحلم الذي لم يستمر طويلاً.
شعر بالتعب فجلس على إحدى المقاهي المنتشرة في المكان، ومع رشفات القهوة المتتالية أخذ يفكر؛ وماذا بعد؟

دائماً ما يتبع الغروب شروقاً جديداً، هذا هو ما عودتنا عليه الشمس منذ الأزل، ولكن هل ينطبق نفس الأمر على الإنسان؟ هل يتمكن الإنسان من تخطي غروبه إلى شروق جديد أم يظل حبيس ليله إلى النهاية؟
هذا ما تحاول رواية بين عالمين الإجابة عنه في دراما رومانسية عن الحب والفراق. 

بعد قراءتك للرواية، ننتظر رأيك والرفيو الخاص بك عن الرواية سواءً على موقع جودريدز أو صفحة المؤلف على الفيس بوك 




الأحد، 8 يناير 2017

ظلم وظلام




في اللحظة الأولى شعر أن الموت قد جاءه أخيراً ليريحه مما يعاني، وبعد لحظات عرف أنه الضياع وأن الموت لن يأتي في القريب وستستمر حياته رغماً عنه ليقاسي آلامه الجسدية والنفسية لحظة بعد لحظة.
في البداية ظن أنه لن يحتمل طويلاً ومع مرور الوقت عرف أنه سيعتاد على الأمر وهذه مشكلة كونه إنساناً عادياً، فالإنسان يمكنه أن يعتاد أي شيء مهما كان كريهاً.
حقاً هو لا يريد الاعتياد على هذا الوضع فالاعتياد يعني التكيف مع هذا الواقع المقيت والكريه، والتكيف يعني المزيد من الحياة.. الحياة في هذا القبر.
هل يمكن اعتبار هذه حياة؟
للأسف هي كذلك، فما دام الألم والاكتئاب موجودان، إذن فهي حياة شاء أم آبى.
ربما هو ميت بالنسبة إلى الأخرين، وهو يحسدهم على ذلك، ولكنه حياً وربما يكون أكثر حياةً من أغلبهم ما ظل عقله يعمل، ومهما بذل من جهد لن يستطيع إيقاف عقله عن العمل، ففي وضع مثل وضعه، العقل هو العضو الوحيد في جسده الذي يمكنه العمل بحرية، تلك الحرية التي فقدها.. غالباً إلى الأبد.
هل سينسونه؟
بالتأكيد سيفعلون. الزمن كفيل بذلك.
وعلى أي حال هو لم يترك خلفه الكثير مما يمكن تذكره به، وحتى من كان يشعر نحوه بعاطفة، قوية كانت أم ضعيفة، ستضمحل ذكرياته عنه مع مرور الزمن حتى ينساه كلية في النهاية.
الزمان:
لم يعد يعرف حقاً أي شيء عنه.
مرت شهور أو سنين ربما، من المستحيل أن يعرف ولو بشكل تقديري.
المكان:
قبر ينتحل صفة زنزانة عرضها متر وطولها متر ونصف وارتفاعها مجهول فالظلام تام. وكل ما يعرفه أنها تزيد عن طوله بأكثر من متر لأنه لم يصل إلى السقف عندما قفز إلى الأعلى.
فكر في أنه بإمكانه أن يصعد إلى الأعلى باستخدام يديه وقدميه، يد وقدم على حائط واليد والقدم الأخريين على الحائط المقابل ولكنه لم يكن يملك من الطاقة ما يخوله فعل ذلك فنسي الأمر.
لم يكن باستطاعتها التمدد فارداً جسده كله فطوله يزيد عن طول الزنزانة بثلاثين سنتيمتر، لذا فقد كان يجب عليه الوقوف ليفرد جسده.
في البداية كان يقف طويلاً ويظل يجوب الزنزانة الضيقة لساعات ومع مرور الوقت أصبح توقفه نادراً، وكان يقضي معظم وقته جالساً أو ممداً على إحدى جانبيه متقوقعاً حول نفسه لتتمكن الزنزانة من احتواءه.
الصوت الوحيد الذي كان يسمعه هو صوت الارتطام المعدني للطعام والماء الذين يتم وضعهما من فتحة في أسفل الباب المعدني للزنزانة.
لم يتمكن من معرفة نوع الطعام الذي يُقدم له، ومع مرور الوقت لم يعد يهتم.
لم يتمكن أيضاً من معرفة الوقت بين الوجبة والوجبة التي تليها، في البداية حاول معرفة ذلك ولكنه لم يتمكن من تحديد الوقت ولو بشكل تقديري.
في البداية كان الجوع والعطش يلتهمانه التهاماً قبل أن تأتيه الوجبة التالية، وبعد أن اعتاد أصبح يأكل بآلية عندما يأتي الطعام.
لم يعد يشعر بالجوع إذا تأخر الطعام، ولا يشعر بالشبع بعد الانتهاء من الطعام.
فقط يأكل كسراً للروتين.
وكان يعتقد وإن لم يكن متأكداً أن تلك الوجبة تأتيه مرة واحدة في اليوم، وكانت طريقة جيدة ليتمكن من حساب الوقت ولكنه بعد أن أحصى إحدى وثمانون وجبة فقد اهتمامه باحتساب الوقت ولم يعد يبالي.
الظلام والوحدة مزيج قاتل.
والتفكير..
عندما لا تملك شيئاً لفعله سوى التفكير، يصبح التفكير سلاحاً فتاكاً موجهاً نحو نفسك.
منذ البداية عرف أنه سيفقد عقله آجلاً أم عاجلاً.
مادام سيعتاد على هذا الوضع وسيتكيف ليعيش فسيفتك التفكير به وسيتحول إلى مخبول.
أسوأ ما في الأمر أنه لن يعرف أبداً أنه قد جن.
لن يعرف هل جن أم أنه لا يزال متمسكاً بقواه العقلية.
ولكن هذا لا يهمه كثيراً، فهو على يقين أنه لن يغادر هذا المكان حياً، ولا يوجد فرق بين أن يقضي لحظاته الأخيرة عاقلاً أم مخبولاً.
ربما كان من الأفضل أن يفقد عقله، فوقتها لن يكون واعياً لمأساته.
-----------
ويمر الوقت..
- هل تشعر بالندم؟
- على ماذا؟
- لانتهاء حياتك في هذا القبر.
- وهل فعلت ما يستوجب الندم! أنت تعرف أن سبب وجودي هنا لا يدعو للندم، لم أقترف جرماً بل ربما العكس هو الصحيح.
لا أشعر بالندم على شيء فعلته، ربما أشعر بالندم على أشياء لم أفعلها، وكان يجب عليَ فعلها.
- أرى أنك لازلت تمتلئ غروراً.
- أرى أنك لازت تمتلئ حماقة.
-----------
الوقت يمر..
- أهلاً، لم تزورني منذ فترة.
- رائحتك كريهة.
- أنت تعرف السبب.
- أعرف، ولكن معرفة السبب لا تنفي الحقيقة، والحقيقة أن رائحتك كريهة.
- أنت تدفعني لسبك في كل مرة.
- يمكنك أن تسبني كما تشاء. كلماتك لا يمكنها أن تشعرني بالإهانة. كما أنني أرأف بحالك.
- هي الشفقة إذن ما تدفعك لزيارتي.
- ليست الشفقة وحدها، ولكن لا بأس بذلك يمكنك اعتبار أن هذا هو السبب الأهم.
- هل فقدت عقلي؟
- لا ليس بعد، ولكنك في طريقك إلى ذلك في القريب.
- هل سأتمكن من معرفة ذلك؟
- لا أعرف حقاً.
- وهل يعني فقداني لعقلي أن أفقدك أنت أيضاً.
- ربما. لا يحدث هذا دائماً على أي حال. في بعض الأوقات يحدث العكس، عندما تفقد عقلك تكون السيطرة لي أنا.
- أظن أنني فقدت عقلي بالفعل، والدليل هو أنني أتحدث إلى نفسي الآن.
- التحدث إلى النفس لا يعني الجنون دائماً.
- لا أصدقك.
- كما تشاء.
-----------
المزيد من الوقت..
- لا تبدو على ما يرام.
- أنا كذلك بالفعل.
- لقد توقفت عن المقاومة.
- وماذا يمكن للمقاومة أن تفعل؟
- المقاومة هي من تبقيك حياً.
- وهل هذه الحياة تستحق التمسك بها؟
- بالتأكيد. تمسك بالحياة وربما يتم انقاذك في النهاية.
- أرى أنك بدأت تهذي.
- أنت من تهذي على أي حال.
.......
- لقد كنت تفكر كثيراً في الانتقام. والانتقام يجلب الكراهية، والكراهية تدمر العقل.
- وهل أملك التسامح في حالتي هذه؟
- أظن أنك لا تملك غيره.
-----------
- لماذا لم تعد تتقبل زيارتي لك.
- اذهب.
- لماذا؟
- لا تأتيني مجدداً، لم أعد أريدك بعد الآن.
-----------
- أخيراً جئتني أنت.
- لا أفهم. ألم أخبرك ألا تأتيني مجدداً.
- لم آتيك، أنت من جئت.
- وكيف هذا؟
- لقد فقدت وعيك.
- أشعر بالظمأ.
- هذا طبيعي، لم تشرب من ثلاثة أيام.
- وكيف تعرف هذا؟
- أعرف أكثر مما تظن.
- أشعر بالظمأ. لماذا يبدو صوتك أكثر وضوحاً.
- كما قلت لك، أنت الآن فاقد لوعيك. أنت الآن في عالمي أنا.
- هل مت؟
- ليس بعد ولكنك ستموت قريباً.
- أشعر بالظمأ.
- لم يأتك الحارس بالماء والطعام منذ ثلاثة أيام.
- لقد ظللت أطرق الباب برأسي لفترة طويلة، ولم يعد لدي المزيد من القوة.
- أعرف هذا.
- كيف عرفت أن ثلاثة أيام قد مرت؟
- أملك ما لا تملكه.
- وما هو؟
- أملك ساعة؟
- عن أي ساعة تتحدث؟ ما هذا الهراء؟
- أنت تعرف أنه ليس هراءً.
- إذن كم عام مر عليَ هنا؟
- لم يمر عليك عام حتى.
- أنت تهذي.
- حقاً. لم يمر عليك عام حتى.
- كم مر إذن؟
- إحدى عشر شهراً.
- فقط! أشعر أن سنوات عديدة قد مرت عليَ هنا.
- هذا أمر طبيعي.
- هل سأموت؟
- نعم. يبدو أنهم قد نسوا أمرك.
- حسناً إذن. وداعاً.
- وداعاً. أنا أرحل الآن بالفعل.
-----------
وغمر الضوء المكان.

الاثنين، 5 ديسمبر 2016

ما وراء الكتابة



أردت أن أكتب لكَ ما أشعر به، كانت الأفكار واضحة ومرتبة في رأسي، بيد أنني ما أن جلست وأمسكت بالقلم، حتى تبخر كل شيء من رأسي.

هل تذكر عندما كان النقاش يحتدم بيننا حول أمر ما، وقتها تنساب الكلمات من بين شفتاي بسهولة، مرتبة، ولكنها لا تكون كذلك في الحقيقة.

عادة ما تكون تلك الكلمات بعيدة كل البعد عما أقصده، وكأن تلك الكلمات تخرج من فم لا يأخذ أوامره من عقلي، وما أن أسمعها حتى أكتشف مدى سخافتها، فأحاول التعبير عما أقصده حقاً بكلمات أوضح.

أقترب كثيراً مما أريد قوله في المحاولة الثانية، وإنْ لم أنجح يوماً في تحويل أفكاري المجردة لكلمات مسموعة.

عندما اتجهت إلى الكتابة، كنت أظن أنها - أي الكتابة - يمكنها أن تحرر عقلي، ويمكنني إخراج الأفكار والمشاعر التي تملأ رأسي حد التخمة، ولكني مرة أخرى كنت مخطئاً تماماً.

في البداية حاولت التركيز على ما يشغلني أكثر من أفكار، وما يختبئ داخل عقلي حبيساً يتوق إلى الفرارمن زنزانته الضيقة، وأعترف حتى لا أكون جاحداً، أن الكتابة حقاً باستطاعتها تحرير الأفكار من أسرها، ولكن غالباً ما تتحرر أفكار أخرى غير ما أقصدها، وما أريد لها الحرية.

وبالرغم من ذلك، وجدت في ذلك متعة، وكأن أفكاراً جديدة تولد على يد القلم، ولادة سهلة حيناً، وعسيرة أحياناً.

لذا فبدلاً من تجهيز أفكار أود الكتابة عنها، بعدما اكتشفت سخف ذلك، فبدأت أمسك بالقلم دون أن أحمل أية أفكار مسبقة، تاركاً له الحرية كاملة ليكتب ما شاء له أن يكتب، واكتفي بالجلوس على مقاعد المشاهدين، أراقب وأتدخل أحياناً معيقاً تدفق الأفكار، الأمر الذي غالباً ما يؤدي إلى توقف عملية الكتابة برمتها، لأغرق في أفكار أخرى، أفكار لم أستطع يوماً ترجمتها لكلمات، فتتزاحم مع الأفكار الجبيسة داخل عقلي.

لماذا أكتب إذن إذا لم اكن قادراً على البوح بما يعتلي به صدري ويضج به عقلي؟ لا أعلم يقيناً الإجابة الحقيقية على هذا السؤال، ولكني مع ذلك سأحاول جاهداً، فستصبح هذه الرسالة بلا معنى إنْ لم أستطع الإجابة على هذا السؤال.

كما أخبرتك، عندما أترك أمر الكتابة للقلم، عادة ما تخرج أفكاراً جديدة لم أفكر بها من قبل، أو لنتوخى الدقة، أفكار لم تكن تتصدر المشهد في رأسي، وكانت مختفية وسط زحام الأفكار، فيبدو لي التحلص من تلك الأفكار شيئاً جيداً، فربما يتاح لي بعد التخلص منها استحضار أفكاري الملِحة وتحويلها إلى كلمات.

صحيح أنني لا أتخلص من تلك الأفكار بشكل كامل، فبخروجها من عقلي تتولد أفكاراً جديدة لتحل محلها، ولكن ذلك أيضاً يبدو لي شيئاً جيداً، فاستمرار الأفكار يعني استمرار القدرة على الكتابة.

ذلك يشعرني أنني لايزال لدي ما أقوله، وأن كلماتي لم تنضب بعد، وهذا أمر طبيعي، من وجهة نظري، فإذا ما استطعت يوماً من التخلص من كل الأفكار التي تثقل صدري، فوقتها سيكون عليّ التوقف عن الكتابة، لأن الكتابة وقتها ستصبح ضرباً من الهراء، ومحاولة لتضييع وقتي ووقت القارئ التعس، الذي ساقه حظه العسر لتقع كلماتي أمامه.

ومثل الحجر الذي يلقى على سطح الماء الساكن فيحركه ويعيد إليه الحياة، تلك الأفكار الجديدة تعيد الحياة إلى تخمة الأفكار الحبيسة داخل العقل، ولابد لها من التحرك لتفسح المجال للمزيد من الأفكار.

لذلك توقفت عن محاولة قول ما أريد قوله، فقد أثبتت التجربة فشل الأمر تماماً، وأحاول الالتفات على نفسي، وخداع عقلي، وذلك بمحاولة طرح الفكرة من بعيد تاركاً للقلم حرية إصاغتها بأسلوبه وطريقه، وقد أثبت ذلك فاعلية في بعض الأحيان، فاعلية تجعل ما يكتب يقترب قليلاً من أفكاري الرئيسية.

صحيح أن ذلك يخرج القشور فقط وما اقترب من السطح، ولا يغوص في أعماق الفكرة كما أحب، ولكن القليل من الوجود خير من العدم.

وها أنا أُنهي رسالتي دون أن أستطيع التعبير عما كان يجيش به صدري في بداية الرسالة. تباً.