السبت، 10 نوفمبر 2018

Why do we read?



Franz Kafka says:
"If the book we read does not wake us up with a bluster on our skull, why do we read the book then, to make us happy as I wrote, my God, we would be happy even if we did not have books and the books that make us happy can be written when needed.
We need those books that come down on us like the thunderbolt that hurts us, the death of our loved ones more than we love ourselves, which makes us feel like we've been driven out of the woods, like suicide.
The book should be like the ax that breaks the frozen sea in us, that's what I think "
That's what I think too.
The novel must be written in order to motivate us to think, to try to answer the important questions, those questions that have faded amidst the crowding of our days and the vanities of our lives.
The novel should not answer the questions. Questions that can be answered do not need to be written, but the novel must raise the other kind of question, the kind that every human being must answer for himself and by himself.
We can not get answers without raising our minds by asking questions, time after time, reading a novel after a novel, and we must not stop thinking and trying to answer.
Man tends to ignore the difficult questions and bury them in the darkness of his mind, especially those questions that are not typical answer, and only the stories that are like the ax that breaks the frozen sea inside us, is able to remind us, to illuminate this dark part and to push those questions to light.
The result is not guaranteed. You can spend your life trying to answer one question without success. But that does not matter. It is only trying to give our lives meaning.
"Ahmed Ibrahim Mosleh"

الثلاثاء، 29 مايو 2018

بارانويا


(1)
لستُ مجنونًا كما يدّعون.. استمع إليَّ.. سأخبرك بكل شيء، ووقتها ستعرف كم أنا عاقل.
بدأ كل هذا عندما قررتُ أن أصبح كاتبًا.
قرأت آلاف الكتب وأخذت لثلاث سنوات أكتب روايتي الأولى.. تحفتي الفنية، وعندما انتهيت منها، أخذتُ أتخيل الثناء الذي سأحصل عليه والمجد الذي سيأتيني زاحفًا.
كم كنت غرًا!
أرسلتها لدار نشر كبيرة وانتظرت طويلًا ولكنهم لم يعبئوا حتى بالرفض.
أرسلتها لدار تلو الأخرى، بعضهم تجاهلني تمامًا والبعض الأخر رفض العمل دون إبداء أسباب، وعندما آيست جاءني اتصال هاتفي.. اتصال هاتفي ملعون.
المتصل هو ناشر كبير أخبرني أنه يود ملاقاتي لمناقشة أمر مهم، وحدد لي موعدًا صبيحة اليوم التالي.
تغيبت عن العمل، وتأنقت كأنني ذاهب إلى حفل عرسي، وقد كنت سعيدًا كشخص يتزوج ليبدأ حياة جديدة، وكيف لا! وقد جاءني أخيرًا اتصالًا من الناشر بنفسه.. لابد أن روايتي أبهرته.
كم كنت غرًا!
بعد ساعة من الهُراء والكثير من التلميحات التي لم أفهمها، قرر الناشر أخيرًا التحدث بشكل مباشر وصريح.
أخبرني صراحةً أن روايتي ليست جيدة بما يكفي ليغامر بنشرها، خاصة لأنني كاتب مغمور لم يسمع بي أحد، ومع ذلك سينشرها إذا تمكننا من الاتفاق.
اللعين!
"انظر.. فلنتحدث بصراحة. روايتك ليست سيئة وتُنبئ بكاتب جيد، ولكنها في نفس الوقت ليست جدية بشكل كافي لأغامر بنشرها. لابد أنك قد أرسلتها للكثيرين غيري، ولم يوافق أحدهم على نشرها.. نعم أعرف ذلك.. هذا طبيعي. لكي تنشر هذه الرواية ليس أمامك سوى سبيلين عليك أن تختار أحداهما.
الأول، أن تنشر الرواية على نفقتك الخاصة، هناك عشرات الدور ممن ينشرون الرواية على نفقة الكاتب.. نعم.. نعم أعرف أنك ترفض هذا، ولذلك ليس أمامك سوى الطريق الأخر.
سأنشر لك روايتك على نفقة الدار، وأظنك تعرف جيدًا كم ستجني من ذلك، يكفي أنك ستتمكن من نشر روايتك القادمة بسهولة، كون روايتك الأولى نُشرت، ومع دار كبيرة.
ولكن لدي طلب واحد.
أحتاج رواية أخرى بعد شهرين على الأكثر. نعم، أعرف أن هذا صعب، ولكنه ليس مستحيلًا.
هل تعرف الكاتب (.......)؟ نعم الذي مات مؤخرًا.. غفر الله له وأسكنه فسيح جناته. تعرف بالتأكيد أنه كاتب كبير ولديه ملايين القراء في الوطن العربي كله.
إذا كنت متابعًا جيدًا للوسط الثقافي ستعرف أننا أعلّنا أن هناك رواية أخيرة لهذا الكاتب تعاقدنا معه على نشرها في الموسم الصيفي القادم.. الملايين ينتظرون هذا العمل.
نعم سؤال جيد، ما شانك أنت بهذا الموضوع. سأخبرك.
الرواية التي طلبتها منك للتو سنقوم بنشرها باسمه، ويمكنك أن ترى كيف أثق بك وبإمكانياتك، وأرجو أن تكون أهلًا لهذا الشرف.
نعم، بالتأكيد هذا شرف كبير، أن تتمكن من كتابة رواية تليق باسم المرحوم.
أعرف أنك تحتاج للتفكير في الأمر ولكني للأسف لا أملك الوقت، لذا أريد إجابة الآن.
عرضي كالتالي: تحضر لي رواية جيدة بأسلوب الكاتب الكبير خلال شهرين، وننشر الروايتين معًا في الموسم الصيفي.
موافق! جيد.
لضيق الوقت، أريدك أن ترسل لي كل أسبوع جزءًا من الرواية، حتى أتأكد أن الأمور تسير بصورة جيدة، وفي حالة تخلفك ولو لأسبوع واحد، سنعتبر أن هذه الجلسة لم تحدث قط.
وداعًا.. أراك الأسبوع القادم."

(2)
لا أعرف كيف وافقت على هذا العرض اللعين، ولكن هذا ما حدث، غلبني اليأس والإحباط فوافقت.
لثلاثة أيام عجزت عن كتابة كلمة واحدة، حتى أنني قررت الاتصال بالناشر والاعتذار له، ثم تذكرت حقدي نحوه، فقررت تجاهله وتجاهل الأمر كله وعندما يمر الأسبوع سيعرف وحده أنني لن أكتب له شيئًا.
كنت قرأت لهذا الكاتب بعض أعماله ولم تعجبني.. هو ليس سيئًا ولكنه ليس مميزًا كما ينبغي أن يكون من يمتلك مكانة مثل مكانته.
رواياته مترهلة تمتلئ بالحشو، وفي كل الأعمال التي قرأتها له استخدم نفس الحبكة وهي حبكة ضعيفة تضفي على أعماله عدم تماسك لا أفهمه، بالإضافة إلى أنه لا بد من أن يقحم بعض المشاهد الجنسية في رواياته بلا داعي.
قبل يوم واحد من انتهاء المهلة عدت من عملي متعبًا فقررت النوم. نمت نومًا عميقًا لأستيقظ في الثالثة فجرًا.
كنت أكره هذا الأمر بشدة، عندما استيقظ في وقت مثل هذا ولا يمكنني مواصلة النوم، ويكون اليوم التالي مرهقًا.
ولكن ما باليد حيلة.
صنعت كوبًا من القهوة وجلست أحتسيه وفجأة جاءتني فكرة.
الفكرة كانت كتابة رواية سيئة رديئة تمتلئ بالأخطاء كانتقام من الجميع، من الناشر الجشع، والقراء على حد سواء.
جلست على مكتبي ولعشر ساعات كاملة ظللت أكتب وأكتب، وقبيل المساء ذهبت إلى الناشر بخمسين صفحة كاملة من الهُراء.
تركتها له دون أن أتحدث، وانصرفت.
واستمر الوضع على نفس المنوال.
اكتب طوال الليل، وأنام نهارًا، وتركت عملي، وفي نهاية المهلة أصبحت أشبه المجاذيب، خسرت 10 كيلوجرامات من وزني، وقد كنت نحيفًا قبل أن أفقدهم، وأهملت شعري ولحيتي.
عندما أعطيت الناشر الجزء الأخير من الرواية، هنأني وطلب مني أن أستريح بعد كل هذا العناء.
وبعد شهر واحد امتلأت واجهات المكتبات بهذه الرواية، وأعطاني الناشر 10 نسخ من روايتي وأخبرني أنه ستواصل معي عندما تُوزع على المكتبات.
لشهر كامل لم يجد جديد، كنت أتصل به فيتجاهلني، أزوره فلا أجده وفي النهاية اتصل بي ليخبرني أن روايتي موجودة في ثلاث مكتبات.
شعرت بفرحة حقيقية، اغتسلت وحلقت لحيتي وهذبت شعري وتأنقت وذهبت لزيارة المكتبات لأرى تحفتي الفنية تزين رفوف المكتبات.
وصلت للمكتبة الأولى ووقفت أتطلع إلى الواجهة المضاءة. وجدت عشرات النسخ من الرواية التي كتبتها باسم الكاتب الكبير، وصدمت عندما وجدت الطبعة العاشرة مكتوبة بحروف كبيرة بجوار العنوان.
الطبعة العاشرة!
عشر طبعات في شهر واحد!
لم أجد أثر لروايتي في الواجهة فدلفت إلى الداخل، وبعد أن فحصت كل الرفوف بتأني لم أجد روايتي، فسألت البائع، الذي تردد قليلًا قبل أن يخبرني بوجودها ويشير إلى بمكانها.
في مكان منزوي وجدت ثلاثة نسخ من روايتي موضوعة بطريقة تجعل ملاحظتها مستحيلة.
سألته عن عدد النسخ المُباعة فأخبرني أنه لم يبع منها بعد.
الناشر أرسل لك ثلاث نسخ فقط!
نعم.
زيارتي للمكتبتين الأخريين لم تختلف كثيرًا، فقط وجدت في إحداهما رواية الكاتب وصلت للطبعة الحادية عشر.
ابتلعت مرارتي وقررت الانتظار لبعض الوقت، وبعد شهر أخر زرت المكتبات مجددًا لأجد روايتي على حالها، وعدد طبعات الرواية الأخرى وصلت لأرقام فلكية.
محملًا بالغضب اقتحمت مكتب الناشر بعنف ووجدته يجلس بهدوء خلف مكتبه الضخم.
سألته بحنق كيف أنه أرسل ثلاثة نسخ لثلاث مكتبات فقط من روايتي، فأخبرني بهدوء أن الأمر ليس بيده، الأمر يخضع للعرض والطلب، ولا أحد يريد روايتي ولولا علاقاته الطيبة بأصحاب المكتبات ما استطاع توزيع نسخة واحدة.
ثارت ثائرتي وأخذت أهدده وأتساءل كيف تصل الرواية السيئة لهذا العدد من الطبعات وروايتي لم تبع نسخة واحدة، وأنني سأخبر الجميع أنني من كتب هذه الرواية ولكنه أتهمني بالجنون وقال حرفيًا:
- ومن تظن نفسك أيها الأحمق؟ وهل شخص مثلك معدوم الموهبة قادر على كتابة رواية عظيمة مثل كاتبنا الراحل، رحمة الله عليه؟ لقد نشرت روايتك السيئة شفقةً عليك وإحسانًا وأنا أعلم جيدًا أنها رواية فاشلة مثلك تمامًا.
حطمت المكتب فوق رأسه.. أعترف بذلك، ولكني لم أتمالك نفسي من الغضب.
يمكنني أن أتقبل العقاب من أجل هذا، ولكنني لست مجنونًا.

ابتسم له الطبيب وغادر حاملًا الملف، وفي الخارج كتب كلمة واحدة في الملف قبل أن ينصرف.
"بارانويا"

الاثنين، 29 يناير 2018

لماذا نقرأ؟


يقول فرانز كافكا:
"إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا، فلماذا نقرأ الكتاب إذن؟ كي يجعلنا سعداء كما كتبت؟ يا إلهي، كنا سنصبح سعداء حتى لو لم تكن عندنا كتب، والكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة أن نكتبها.
إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا، كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيدًا عن الناس، مثل الانتحار.
على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد في داخلنا، هذا ما أظنه"

وهذا ما أظنه أنا الأخر.

إن الرواية يجب أن تُكتب لكي تدفعنا دفعًا إلى التفكير، إلى محاولة الإجابة عن الأسئلة المهمة، تلك الأسئلة التي تاهت وسط زحام أيامنا وتفاهات حياتنا.

لا يجب على الرواية أن تجيب عن الأسئلة، فالأسئلة التي يمكن تقديم إجابات لها، لا حاجة لكتابتها، ولكن على الرواية إثارة النوع الأخر من الأسئلة، ذلك النوع الذي يجب أن يجيب عنه كل إنسان لنفسه وبنفسه.

لا يمكننا الحصول على إجابات دون إثارة عقلنا بالتساؤلات.. المرة تلو الأخرى.. قراءة رواية تلو رواية، ولا يجب التوقف عن التفكير ومحاولة الإجابة.

يميل الإنسان إلى تجاهل الأسئلة الصعبة ودفنها داخل ظلام عقله، خاصة تلك الأسئلة التي لا إجابة نموذجية لها، ووحدها الروايات التي تكون كالفأس الذي يحطم البحر المتجمد في داخلنا، هي القادرة على تذكيرنا، على إنارة هذا الجزء المظلم ودفع تلك الأسئلة إلى النور، رغمًا عنها ورغمًا عنا.

النتيجة ليست مضمونة، فيمكنك أن تُفني عمرك في محاولة الإجابة على سؤال واحد دون أن تنجح.. ولكن هذا لا يهم، فالمحاولة وحدها هي ما تعطي لحياتنا معنى.

الجمعة، 24 نوفمبر 2017

تجديد


ويل لنا من غدر الزمن!

بدأت حياتي بآمالٍ عظيمة.

جميلة براقة كنت، وقد مكنني ذلك من الحصول هذه الوظيفة الهامة، في هذا الموقع المتميز.

واجهت العواصف والرياح بصدر مفتوح وكان يكفيني نظرات الاهتمام من الأخرين، ولكن لا شيء يبقى على حاله.

لم تعاملني الأيام بشفقة، وذهب جمالي مع السنوات، وضاعت ملامحي أو كادت.

لم يعد أحد يبال بي.. يمرون بجانبي ولا يلاحظوني.

وفي النهاية جاء الموظفون ببديلتي الجميلة الشابة.. انتزعوني بعنف وألقوا بي في قارعة الطريق.

أنهوا عملهم وانصرفوا دون حتى النظر نحوي.

لا ألومهم..


ففي النهاية.. ما أنا إلا لافتة صدئة.

الاثنين، 17 يوليو 2017

العبث



1- التعرف على المكان


دوار ورؤية مشوشة..
أُغمض عيني، أتكأ بذراعيّ على ركبتيّ.. لا فائدة..
أركع على الأرض على ركبتيّ وكفيّ، وأتقيأ.
وبالرغم من المرارة في حلقي، أشعر أنني أفضل حالًا.
أعتدل بهدوء محاولًا تفادي القيء، وأنظر حولي لأستكشف المكان.
المكان يبدو مألوفًا، ولكن شعور غريب داخلي يُنبئني أنني لم أزره من قبل.
هل شاهدت صورة له؟
لا.. لا. أشعر أنني أراه للمرة الأولى.. ولكني أعرفه، أنا واثق من هذا.
أشعر أنني بخير الآن، ولكن الرؤية لا تزال ضبابية، ليست ضبابية بالمعنى المعروف ولكن ثمة خطب ما، لا أستطيع وصفه أو التعبير عنه بالكلمات ولا حتى بالأفكار.. ولكني سأحاول.
يبدو المكان غير حقيقي وكأنه رسم بفرشاة رسام فاشل.. منقوص.. ألوانه باهتة.
نظرت إلى نفسي فوجدتني في صورتي الطبيعية!
أخذت أنقل بصري بيني وبين المكان لأتأكد من الأمر، بالفعل لا عيب في رؤيتي، فها أنا أرى نفسي بصورة ممتازة، المشكلة إذن في هذا المكان.
بدأت السير والأمر يزداد غرابة.
الأشياء حولي منقوصة مشوهة.. باهتة الألوان أو بلا ألوان.. يتجاور الظل مع الضوء في تحدي سافر لقوانين الفيزياء.
وفجأة، ومع استدارة مني وجدتني محاطًا بالمسوخ.
نعم مسوخ!
سيل من البشر بلا ملامح، يرتدون ملابس شاحبة، حتى أنني لا أستطيع تبينها.
هلعت وكدت أهرب فزعًا، ولكنهم لم يعبئوا بي ومروا حولي بلا مبالاة.
عبرت ما يشبه الطريق إلى الجانب الأخر ومنه دلفت إلى ما بدا لي كشارع ميزته الوحيدة أن عدد المسوخ به أقل.
أخذت أسير بحذر محاولًا تفادي المسوخ قدر المستطاع، ولكن خوفي قل كثيرًا بعدما تأكدت أنهم لا يبالون بي.
سرت حتى هدني التعب والوضع كما هو، الأشياء كلها غير واضحة المعالم، أعرفها بالتخمين: هذا يبدو بيتًا، وهذا يبدو متجرًا، وفجأة وعلى غير العادة وجدت مقهى واضحًا وسط هذا العالم المطموس.
وقفتُ أتطلع إلى المقهى بانبهار.. شيء يبدو حقيقيًا وواضحًا وسط هذه الخرائب السريالية، وبلا تردد توجهت إليه وجلست على أول مقعد شاغر.
نظرة سريعة حولي فتبين لي أن كل من حولي مسوخ، جاءني مسخ آخر وسألني ببساطة عن طلبي، فطلبت كوبًا من القهوة وأنا أشعر بالغرابة، ولكن من يدري ربما يتحسن الوضع بعد تناول القهوة.
وأنا أتناول القهوة بدا لي المقهى مألوفًا. مألوفًا بالرغم من ثقتي أنني أراه للمرة الأولى.
تباً! ما يحدث لي.
أنهيتُ القهوة التي كانت بلا طعم وكدت أقوم، ثم تذكرت أنني لم أتفقد جيوبي لأعرف هل أمتلك نقودًا أم لا، وقبل أن أفعل لمحته قادمًا من بعيد.
أخيرًا.. وجه طبيعي لإنسان طبيعي وسط غابة المسوخ هذه. ربما يمكنني أن أجد لديه بعض الإجابات.
توجه نحو المقهى بتلقائية بخطوات واثقة حفظت الطريق.. عبر أمامي ولم يعرني اهتمامًا هو الآخر وجلس صامتًا، وما هي لحظات حتى جاءه المسخ بطلبه.
هو معروف هنا إذن.
أخذت أتفحص وجهه بتمعن، هو الأخر يبدو لي مألوفًا.
بذلت قصارى جهدي لأتذكر أين رأيته من قبل ولكني كلما فكرت أكثر ازددت ثقة من أنني لم أره قبلًا.
أغمضت عيني وأخذت أحاول استحضار صورته في عقلي ولكني فشلت وبدلًا من ذلك أخذت أصفه داخل رأسي وهنا عرفت لماذا يبدو مألوفًا، ولماذا يبدو المقهى مألوفًا هو الآخر.
ولكن هذا مستحيل.
بالتأكيد أنا أحلم.. أو جننت.
- - - - - - - - - - -









2- الغرق في الأحداث
شيء من اثنين: إنني أحلم أو أنني فقدتُ عقلي.
ولكن كيف يمكنني التأكد؟
كل ما يحيط بي من أماكن مشوهة ومسوخ يرجح أنني غارق حتى أذني في كابوس، ولكن الأشياء الواضحة تنبأني أنني قد فقدت عقلي، خاصة بعدما تعرفت على الشاب الذي يجلس في الجوار والتعاسة بادية على ملامحه.
نعم تعرفت عليه، وليس هذا فقط، بل أعلم أيضًا أسباب تعاسته بالتفصيل، فأنا من كتبت كل هذا.
نعم، أنا كاتب وما حولي يخبرني بوضوح أنني الآن داخل روايتي الأخيرة، محاطًا بالشخصيات التي خلقتها من خيالي في المكان التي تدور به الأحداث.
ولكن لماذا تبدو معظم الأشياء مشوهة، ولماذا يبدو البشر كمسوخ.
وهنا توصلت لما يشبه الإجابة.
ربما يكون السبب هو أنا.
نعم أنا المسؤول عن هذا، فأنا من لم يهتم برسم المكان بالكلمات كما يجب، وبالطبع لم أهتم بوصف الأشخاص الهامشيين الذين لا علاقة لهم بأحداث الرواية.
فهمت الآن لماذا كانت القهوة بلا مذاق، فلم أهتم بوصف مذاق القهوة، ومن يستطيع وصف سحر القهوة بالكلمات الصماء.
مشوشًا ظللت جالسًا لا أعرف ما عليّ فعله الآن.
إذا كان هذا صحيحًا، وأنا الآن داخل روايتي فأنا أعرف جيدًا ما سيحدث، نحن الآن في منتصف القصة تقريبًا.
إذا كانت ذاكرتي جيدة فهذا الشاب سيمكث لساعةٍ أُخرى غارقًا في أفكاره، ويقوم بعدها ليقابل حبيبته التي ستخبره أن علاقتهما يجب أن تنتهي، ولن يعود بمقدورهما اللقاء مجددًا.
الشاب التعس الذي لا يعرف هذا -وإن كان لديه شعور سيء حول هذا اللقاء- طُرِدَ من عمله منذ ساعات، هذا العمل الذي كان يعتبره الفرصة الأخيرة للاحتفاظ بحبه الوحيد.
فقيرًا هو يكاد يكون معدمًا، بينما تنحدر فتاته من أسرة ميسورة الحال، وتلك الفتاة هي بطلة روايتي الحقيقية بينما لا يزيد هو عن كونه مجرد محطة عابرة في حياتها.
أعرف فيما يفكر الآن، هو يفكر هل يخبرها بخيبته الأخيرة أم يخفي الأمر عنها عله يتمكن من الحصول على عمل أخر في وقت قريب.
الأحمق لا يعرف أن الفتاة قررت تركه بصورة نهائية، وستسافر مع أسرتها للاستقرار بالخارج بشكل نهائي.
نعم هو لا يعرف أي شيء عن المستقبل الذي ينتظره، لا أحد يعرف سواي.
لا يعرف اليأس والاكتئاب اللذان سيعيش تحت وطأتهما.
لا يعلم أنه بعد ساعات سيقف أمام النهر مفكرًا في الانتحار ولأنه جبان لن يفعل.
لا يعلم أنه سيصبح مجرم.. وقاتل.
تباً! هذا الشخص الحزين المسالم الذي لا يفصلني عنه سوى أمتار معدودة سيتحول إلى سفاح.
انتابني غضب قوي عندما تذكرت الجرائم القذرة التي سيرتكبها هذا الشاب، حتى أنني فكرت أن أقوم من مكاني وأتوجه إليه وأعاقبه بعنف.
ولكني عاقبته بشكل جيد فيما سيأتي من أحداث، صدقًا لقد تفننت في عقابه وجعلته يتألم بقسوة قبل أن يموت ككلب أجرب.
أفقت من تفكيري عندما قام الشاب من مكانه.
عبثت بجيوبي فوجدت مالًا، دفعت منه حسابي بسرعة وهرعت خلفه، وأخذت أتابعه من مسافة آمنة.
- - - - - - - - - - -










3- العبث
سيسير لمسافةٍ طويلة، فجيوبه خاوية كبيتٍ مهجور، وعليّ الآن أن أسير كل هذه المسافة إنْ كنتُ أريد متابعة ما سيحدث.
وبالرغم من أنني أعرف جيدًا ما سيحدث، فإنني لم أستطع المقاومة، مقاومة مشاهدة ما كتبته يحدث أمام ناظريّ، وسرت خلفه أجر أقدامي.
يا له من أمر عجيب! كيف أشعر بالتعب في هذا العالم الخيالي.
أنا من صنعت هذا العالم ولا يمكن أن تنطبق عليّ قواعده.
يمكنني أن أفعل ما يحلو لي، وربما يمكنني الطيران كذلك.
فلأجرب.
ولدهشتي وجدتني أطفو في الهواء وكأني بلا وزن.
هذا جميل، ولكن ما دمت قادرًا على تخطي الجاذبية وما دمت القواعد لا تنطبق عليا هنا، هل يمكنني كذلك تخطي الزمان والمكان.
لم أفكر كثيرًا في الأمر، فقط أردت أن أكون في مكان اللقاء وزمانه فوجدتني هناك، والحبيبان يجلسان متجاوران، الشاب ينظر إليها بحزن بينما تنظر هي أمامها كي تخفي عيناها الدامعتان، وحتى لا تتأثر بنظرته المتوسلة.
لن يثنيها شيء عن قرارها، لقد فكرتْ مليًا في الأمر، فيما بعد ستشعر ببعض الحزن كلما تذكرت هذا الموقف وكيف قامت مسرعة وغادرت دون أن تنظر خلفها.
بينما سيبقي هو مكانه لساعات يبكي دون دموع، وأخيرًا سيقوم ليمشي بلا هدف حتى يجد نفسه وحيدًا يطل على المياه السوداء للنهر ويفكر في الانتحار ثم يتراجع.
يعيش لأيام تحت وطأة اليأس والاكتئاب -لأيام فقط- فالاكتئاب ترف لا يملكه من لا يملك قوت يومه.
لماذا أشغل رأسي بأمر هذا الشاب فدوره في الرواية ثانوي.
سريعًا أنتقل إلى وقت ومكان جريمته الأخيرة، الأكثر بشاعة.
تبًا لقد وصفتها بدقة تثير التقزز.
حقًا أنا من كتبت ما يحدث أمام عينيّ، ولكن الوقوف مكتوف الأيدي ومشاهدة بشاعة ما يحدث أصابتني بالتقزز والغضب.
تملكني غضب كاف لدهس الشاب كما يدهس الصرصور، ولكني اكتفيت بالمشاهدة ثم انتقلت سريعًا إلى المشهد الأخير للشاب وأخذت أراقب عذابه.
أراقب تألمه بلا شفقة.
أراقب موته بتشفي.
لقد انتقمت منه كما يجب، ولكن هل يستحق كل هذا؟
نعم، عقابه ملائم لجرمه.
وهل هو مسؤول عن جرائمه؟
ماذا تعني؟
ألست أنا من كتبت كل هذا؟ ألست أنا من جعله يرتكب كل هذه الخطايا؟
كيف أشعر بسعادة من جراء تعذيب هذا المجرم معدوم الإرادة الذي لم يؤدِ سوى الدور الذي رسمته له بدقة؟
كيف شعرت بالغضب نحوه؟
هل يجوز لي الغضب على شيء صنعته بيدي؟
ألا يجب أن أغضب من نفسي؟
ألست المسؤول؟
ألست المسؤول؟