السبت، 26 سبتمبر 2026

المقعد الخالي

 


في الساعة التي تسبق الغروب، في عمق مقهى قديم جلس رجل خمسيني موليًا ظهره للحائط.

وضع حسن -صبي القهوة- كوبين من القهوة فوق طاولته، فمد يده ببطء وعدل وضع أحد الكوبين ليكون أمام المقعد الخالي.

أشعل سيجارة وبدأ يحتسي قهوته بهدوء.

مكان جلوسه أتاح له الإلمام بكل ما يحدث في القهوة بنظرة واحدة، وفي تلك الساعة لم يكن هناك سوى أربعة أشخاص على طاولتين بالإضافة إلى حسن ومحمد فتى البوفيه.

ظلا حسن ومحمد يهمهمان منذ طلب الرجل مشروبين، وزادت وتيره تهامسهما بعدما وضع الرجل المشروب الآخر أمام المقعد الخالي.

أخرج الرجل دفترًا صغيرًا وقلمًا من جيبه، وكتب شيئًا ما ووضعه بجانب قهوته.

بدأ بقية رواد المقهى بإلقاء نظرات فضولية نحو الرجل والتهامس فيما بينهما، وأصابت القهوة حالة هدوء غير مسبوقة.

والرجل ينظر أمامه بذات النظرة، يحتسي القهوة ثم يكتب ملحوظة ما.. ويضع الدفتر.

أنهى قهوته، ثم مد يده وتناول الأخرى وشربها بوتيرة أسرع وابتسامة ساخرة.

دفع الحساب وغادر.. فضجت القهوة بحديث مفاجئ.. انطلق الجميع يتحدث بصوت عالٍ، كلٌ يحاول تفسير الأمر.

وليس بعيدًا مشى الرجل بهدوء غير قادر على كتمان ضحكاته.


الجمعة، 25 سبتمبر 2026

لا أعرف


ها هو يجلس كعادته متظاهرًا بالانشغال بهاتفه اللعين.. ولكن.. قد يكون منشغلًا حقًا.. لا أدري ما أصابني.

هل الفراغ يلتهمني حية؟ لا أظن؛ طالما رغبت في هذا الفراغ وسعيت إليه.

هل تخيلته بشكل مختلف.. ربما أردت أن يشاركني أحدهم فراغي.

فلأفعل شيئًا.

هل أخرج؟ أين أذهب؟!

هل أكلم أمي أو أختي أو إحدى الصديقات؟ وعم سنتحدث؟ نكرر أحاديثنا كل مرة.

يمكنني أن أقرأ كتابًا.. أين وضعت الكتب.. آه ها هي.. ياه ما هذه الأتربة، يجب أن أتذكر تنظيف الكتب في المرة القادمة.

ماذا أقرأ؟ لا ليس هذا.. مم هذا الكتاب، لم أقرأه من قبل ولا أدري حتى لمَّ احتفظت به كل هذه السنوات.. ربما يكون مسليًا.

هل أصنع شايًا؟ ليس الآن. يمكنني القراءة قليلًا أولًا.

مم.. أحب الاسترخاء في هذا المقعد الوثير، الاسترخاء مع قراءة كتاب ممتع وربما مشروب ساخن.. يمكن أن تكون عادة جديدة.

والآن كفى سخافات ولأبدأ القراءة، أرجو فقط ألا يكون كتابًا مملًا.

فلأتصفحه أولًا.. كم صفحة هو، أربعمائة.. لا بأس.

الصفحات صفراء مسودة الأطراف.. ولكن ما هذا الشيء؟ ما هذه الورقة؟

لماذا أرتجف؟
لماذا تتعثر أصابعي وأنا أفض الورقة؟

لا يزال يبدو منشغلًا بهاتفه.. أظن أنني لو قمت إلى غرفة أخرى لن يشعر بي، ولماذا أقوم؟

أعرف هذا الخط المائل جيدًا، ولكن كيف، ومتى؟

هل أخفاه في الكتاب في ذلك اليوم البعيد؟ كيف لم أنتبه له؟

تمر عيني على الحروف ولا يستطيع عقلي ترجمتها إلى كلمات، لماذا أشعر أن الغرفة أكثر ظلمة من الطبيعي؟

ها أنا أستطيع القراءة؟ لا.. لا لن تغلبني الدموع.

لماذا لم يقل ما يريد وقد كنت أمامه في انتظار كلمة؟ لماذا هذه الطريقة السخيفة؟

فات الآوان على أية حال.. هل فات حقًا؟!

يجب أن أسيطر على رجفتي.

أعيد الرسالة إلى مكانها وأغلق الكتاب.. هل أحتفظ بها، يجب التخلص منها؟ ولكن لماذا؟

أضع الكتاب مكانه.. لا

أمسك الكتاب.. أضمه إلى صدري.. أعيده إلى مكانه.. لا أستطيع.. هل التصق الكتاب بي.. تبًا.

"سأذهب لزيارة بعض الصديقات"

"حسنًا.. متى تعودين"

"لا أعرف.. لن أتأخر"

 وأغادر وأنا أحتضن الكتاب.